الخميس 22 أكتوبر 2026 01:50 صـ
جريدة جماهير

رئيس مجلس الإدارة حسن مختار

نائب رئيس مجلس الإدارة اللواء عبدالقادر عوض

رئيس التحرير سامح تونى

مدير التحرير أحمد عادل

فن

ما لا تراه الكاميرا.. أسرار الوسط الفني التي تبدأ عندما ينتهي التصوير

خلف الكواليس
خلف الكواليس

بقلم أميمة عجمي

هل تساءل الجمهور يومًا ماذا يحدث بعد أن يقول المخرج: «فركش»؟ هل تنتهي الحكاية فعلًا بإطفاء الكاميرات، أم أن هناك حكايات أخرى تبدأ في اللحظة التي يغادر فيها النجوم مواقع التصوير؟

وراء كل فيلم أو مسلسل عالم كامل لا يظهر على الشاشة، عالم من التفاصيل الصغيرة والقرارات الصعبة والأسرار المهنية التي قد لا يعرفها المشاهد، رغم أنها هي التي تصنع في النهاية الصورة التي يراها ويصدقها ويتأثر بها.

الحكاية التي لا تظهر في تتر النهاية

هناك أشياء كثيرة لا يراها الجمهور، لكنها تحمل ذاكرة السينما المصرية. فالغرفة التي ظهرت في مشهد واحد قد تكون وراءها أيام من العمل، وقطعة الأثاث القديمة التي مرّت أمام الكاميرا لثوانٍ قد تكون انتقلت بين عشرات الأفلام، والملابس التي ارتداها أحد الأبطال قد تحمل تفاصيل دقيقة تساعد على استكمال الشخصية من مشهد إلى آخر.

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم: أين تذهب كل هذه الأشياء بعد انتهاء العمل؟

هل تُحفظ في أماكن تليق بقيمتها الفنية والتاريخية؟ وهل توجد سجلات دقيقة توثق الأفلام التي شاركت فيها، حتى يمكن الاستفادة منها مرة أخرى؟ أم أن بعض هذه الكنوز يظل حبيس المخازن، بعيدًا عن أعين المنتجين والمخرجين، بينما تبحث أعمال جديدة عن قطع تمنحها المصداقية والروح؟

إن إعادة اكتشاف هذه المقتنيات ليست مجرد وسيلة لتوفير النفقات، بل فرصة لحماية جزء من ذاكرة السينما المصرية، وتحويل المخازن المنسية إلى مصادر حقيقية للإبداع والعمل.

مشهد حُذف.. ومجهود اختفى معه

ومن الحكايات التي تستحق التوقف عندها، مصير المشاهد التي تُصوَّر ثم لا تجد طريقها إلى النسخة النهائية. فقد يقضي فريق كامل ساعات طويلة في تنفيذ مشهد، ويصمم مهندس الديكور مكانه، ويجهز فريق الإكسسوار تفاصيله، ويبذل الممثل جهده في أدائه، ثم يقرر المخرج أو المونتير الاستغناء عنه لأسباب فنية أو درامية.

المشهد يختفي من الشاشة، لكن وراءه مجهودًا وتكلفة ووقتًا وخبرة.

وهنا تظهر فكرة تستحق الدراسة: لماذا لا تُنشأ أرشيفات مهنية تحفظ المواد المختارة من كواليس الأعمال، ودفاتر استمرارية التصوير، وتصميمات الديكور، والصور التوثيقية، والمشاهد التي تصلح للدراسة والتدريب، وفق حقوق أصحابها؟

مثل هذا الأرشيف يمكن أن يصبح مصدرًا مهمًا للباحثين وطلاب معاهد السينما، كما يساعد الأجيال الجديدة على فهم كيف صُنعت الأعمال التي صنعت تاريخ الفن المصري.

النجوم أمام الكاميرا.. وجيوش من المبدعين خلفها

اعتاد الجمهور أن يتابع أسماء الممثلين والمخرجين، لكن العمل الفني لا يقوم على الأسماء المعروفة وحدها. هناك من يضبط الإضاءة، ومن يصنع صوتًا يجعل المشهد أكثر واقعية، ومن يختار قطعة صغيرة فوق مكتب لتكشف شيئًا عن شخصية صاحب المكان، ومن يعيد ترتيب التفاصيل حتى لا يشعر المشاهد بوجود خطأ بين مشهد وآخر.

هذه المهن لا تقل أهمية عن أي عنصر آخر في صناعة العمل، ومع ذلك قد تمر سنوات من خبرة أصحابها من دون أن يجدوا فرصة حقيقية لإظهار قدراتهم.

والأخطر أن بعض الخبرات لا يمكن تعويضها بسهولة؛ لأن المعرفة التي اكتسبها أصحابها من العمل الفعلي لا تُختصر في شهادة دراسية أو دورة تدريبية.

فهل حان الوقت لإنشاء قاعدة بيانات مهنية تجمع أصحاب الخبرات في السينما والدراما، وتتيح لشركات الإنتاج التعرف إليهم والاستعانة بهم وفق احتياجات كل عمل؟ ولماذا لا تُفتح أبواب التعاون بين أصحاب الخبرات القديمة والشباب، بدلًا من أن تبقى التجارب المتراكمة بعيدة عن مواقع التصوير؟

ماذا لو أصبحت الكواليس مشروعًا ثقافيًا؟

الفكرة لا تتوقف عند توثيق الماضي، بل يمكن أن تتحول إلى مشروع متكامل يربط صناعة الفن بالثقافة والتعليم والاقتصاد.

يمكن إقامة معارض لمقتنيات الأفلام، وتنظيم أيام مفتوحة للتعرف إلى المهن السينمائية، وإعداد لقاءات مع أصحاب الحرف الفنية الذين ساهموا في صناعة مشاهد لا تُنسى، إلى جانب إنشاء ورش عملية يتعلم فيها الشباب تصميم الديكور وصناعة الإكسسوار وفنون الصوت والتصوير والمونتاج.

كما يمكن دراسة إنشاء سوق متخصصة لتداول وتأجير المقتنيات والديكورات والملابس الفنية، بما يحفظ قيمتها ويتيح إعادة استخدامها بدلًا من إهدارها.

هذه أفكار قابلة للدراسة والتنفيذ، لكنها تحتاج إلى جهة تتبناها، وتعاون حقيقي بين المؤسسات الثقافية وشركات الإنتاج وأصحاب الخبرات.

السؤال الذي يجب أن يصل إلى المسؤولين

إن مستقبل الفن المصري لا يتعلق فقط بعدد الأفلام والمسلسلات التي تُنتج كل عام، بل أيضًا بقدرتنا على حماية خبراتنا، واكتشاف مواهب جديدة، واستعادة قيمة المهن التي تعمل بعيدًا عن الأضواء.

فربما يكون الكنز الذي تبحث عنه صناعة السينما موجودًا بالفعل، لكنه يحتاج إلى من يفتح المخازن، ويستعيد الملفات، ويستمع إلى أصحاب الخبرات، ويمنح الأفكار القديمة فرصة جديدة للحياة.

فهل نكتفي بمشاهدة ما يظهر أمام الكاميرا، أم نبدأ في اكتشاف العالم الذي يصنع الصورة من خلفها؟

ربما تكون الخطوة الأهم الآن هي أن ننظر إلى الكواليس باعتبارها جزءًا من تاريخنا الثقافي، لا مجرد مساحة تنتهي مهمتها بانتهاء التصوير. فهناك حكايات لم تُروَ، وخبرات لم تُستثمر، ومقتنيات تنتظر من يعيد إليها الحياة، وأصحاب مهن يستحقون أن تُفتح أمامهم أبواب العمل من جديد.

لأن الفن الحقيقي لا يبدأ عندما تعمل الكاميرا فقط، ولا ينتهي عندما تتوقف؛ بل يعيش في كل يد صنعت تفصيلة، وكل عقل ابتكر حلًا، وكل إنسان وضع خبرته في عمل يستحق أن يبقى.

كواليس السينما الوسط الفني مخازن الإكسسوار العاملون خلف الكاميرا أرشيف السينما المصرية قاعدة بيانات الخبرات ذاكرة السينما المصرية مهن الفن والسينما
⇧
  • WE_300x250_nitro
  • 300x250_Opel_B0
  • 300x250_PizzaHut-AR
  • image carousel
  • WE_300x250